على مدار ما يقارب ٣٠ عامًا، يُعدُّ «فري دوس» هو نظام «دوس» الأكثر تطورًا.

 

أثناء شرح معلم لأحد تلاميذه عن كتاب طاو البرمجة. قال المعلّم: "يتجسَّد «الطاو» في كل البرمجيّات، بِغَضّ النظر عن تفاهتها."

فسأله التلميذ: "هل يتواجد «الطاو» في الآلة الحاسبة؟"

أجاب المعلم: "نعم".

تابع التلميذ: "وهل يوجد «الطاو» في الألعاب الرقمية؟"

ردّ المعلم: "نعم، حتى في الألعاب الرقمية".

ثم سأل التلميذ: "لكن هل يوجد «الطاو» في أنظمة «دوس» (DOS) لأجهزة الحاسوب الشخصية؟"

سعل المعلم، وغيّر جلسته بهدوء، ثم قال: "لننهِ الدرس هنا اليوم".

— طاو البرمجة، جيفري جيمس، InfoBooks، ١٩٨٧

في الماضي، كانت الحوسبة محصورة في أجهزة الحواسيب المركزية (Mainframes) باهظة الثمن وأنظمة الحاسوب الضخمة مثل PDP11. ولكن حدثت ثورة في عالم الحوسبة في السبعينيات إثر ظهور المعالج الدقيق (Microprocessor). وأخيرًا، أصبح بإمكانك أن تمتلك حاسوبًا في منزلك — لقد ظهر الحاسوب الشخصي!

من أوائل الحواسيب الشخصية التي أذكرها كانت حاسوب «كومودور»، و TRS-80، وحاسوب «أبل». لقد أصبح الحاسوب الشخصي موضوعًا بالغ الأهمية؛ فقررت شركة IBM أن تدخل السوق. بعد دورة تطوير سريعة، أطلقت IBM جهاز IBM 5150 (أول "حاسوب شخصي من IBM") في شهر آب من عام ١٩٨١.

ليس من السهل بناء حاسوب من الصفر، لذا اشتهرت IBM باستخدامها مكونات جاهزة (Off-the-Shelf) لتصنيع الحاسوب، كما اشترت رُخَص مكونات أخرى من مطوِّرين من خارج الشركة، ومن تلك المكونات نظام التشغيل برخصةٍ من «مايكروسوفت». بدورها، حصلت «مايكروسوفت» على نظام دوس-٨٦ من شركة «سياتل لمنتجات الحاسوب»، وأجرت عليه عدة تحديثات، ثم أطلقته مع الحاسوب الشخصي من IBM تحت اسم IBM PC-DOS.
 

بدايات نظام «دوس»

لم يستطع نظام «دوس» أن يفعل أكثر من إدارة العتاد وأن يسمح للمستَخدِم بأن يُشغِّل التطبيقات، لأن ذاكرته كانت تصل إلى ٦٤٠ كيلوبايت فقط. ونتيجة لذلك، كان سطر الأوامر الخاص بنظام التشغيل PC-DOS 1.0 هزيلًا، إذ لم يتضمن سوى بضعة أوامر لوضع التاريخ والوقت، وإدارة الملفات، والتحكم في الطرفية (Terminal)، وتنسيق الأقراص المرنة (Floppy Disks). شمل «دوس» أيضًا مفسِّرًا لِلُغة «بيسيك»، والتي كانت ميزة أساسية في جميع الحواسيب الشخصية آنذاك.

ولم يصبح «دوس» مثيرًا للاهتمام فعليًا إلّا مع إصدار PC-DOS 2.0، إذ أُضيفت أوامر جديدة إلى سطر الأوامر، والمزيد من الأدوات المفيدة. لكن لم أحسب «دوس» نظامًا "معاصرًا" إلّا بعد إصدار MS-DOS 5.0 عام ١٩٩١. أعادت «مايكروسوفت» هيكلة النظام في هذا الإصدار؛ فحدَّثت العديد من الأوامر واستبدلت المحرر النصّي التقليدي «إدلين» (Edlin) بمحرر جديد يُعرَض على الشاشة بكاملها ويتميز بسهولة الاستخدام. كما شمل DOS 5 ميزات أخرى أثارت إعجابي، مثل مفسِّر «بيسيك» الجديد المبني على مُصرّف (Microsoft QuickBASIC Compiler)، والذي لُقِّبَ ببساطة QBASIC. إذا سبق لك أن لعبت لعبة «الغوريلات» على نظام DOS، فمن المرجَّح أنها كانت على MS-DOS 5.0.

ورغم هذه التحسينات، لم أكن راضيًا تمامًا عن واجهة أوامر «دوس». فقد ظلَّت أنظمة «دوس» وفيّة لتصميمها الأصلي — الذي كان محدودًا للغاية. إذ عاشت أنظمة «دوس» في جلباب تصميمها الأصلي، مما حدَّ من نضجها. قدّمت «دوس» للمستخدم بعض الأدوات لإنجاز بعض المهام على سطر الأوامر، لكن هدفها الأساسي كان تسخير قُدرة سطر الأوامر على تشغيل التطبيقات. وقد افترضت «مايكروسوفت» أن المستخدِم سيقضي أغلب وقته في التعامل مع التطبيقات الأساسية مثل معالج النصوص أو جدول البيانات.

لكن المطوِّرون أرادوا نسخة أكثر فعالية من «دوس»، فظهر مجال فرعي يقدِّم أدوات وبرمجيّات مفيدة. بعضها كانت تطبيقات تعرض المحتوى على الشاشة بكاملها، لكن العديد منها كانت أدوات تعمل عبر سطر الأوامر وتُحسِّن بيئة العمل في «دوس». حين أتقنْتُ أساسيات لغة C البرمجية، صمَّمْت أدواتي التي أثرت أو استبدلت وظائف واجهة أوامر «دوس». وعلى الرغم من البنية المحدودة نسبيًا لنظام MS-DOS، وَجدتُ أن الأدوات الخارجية، بالإضافة إلى الأدوات التي ابتدعتها، قد شكّلت معًا سطر أوامر «دوس» قوي.
 

«فري دوس»

في بواكير عام ١٩٩٤، بدأت أرى العديد من المقابلات مع مسؤولي «مايكروسوفت» في المجلات التقنية، يصرحون فيها بأن النسخة القادمة من «ويندوز» ستتخلى تمامًا عن نظام «دوس». كنت قد استخدمت «ويندوز» من قبل — لكن إن كنت تتذكر تلك الحقبة، فستعلم أن Windows 3.1 لم تكن منصة مثالية. افتقد للسلالة وكثرت عيوبه — مثلًا إذا تعطّل أحد التطبيقات، قد يؤدي ذلك إلى انهيار النظام بأكمله. كما أنّ واجهة المستخدم الرسومية في «ويندوز» لم تعجبني؛ كنت أفضِّل أن أنجز عملي على سطر الأوامر، وليس باستخدام الفأرة.

فكّرت حينها: إذا كانت النسخة القادمة —سواء 3.2 أو 4.0— ستُشبِه إصدار 3.1، فلا أريدها على حاسوبي الشخصي أبدًا. لكن ما هي الخيارات؟ كنت قد جرّبت «لينكس» بالفعل في ذلك الوقت، ووجدته رائعًا، لكنه لم يحتوي على أي تطبيقات. معالج النصوص، وجداول البيانات، والبرامج الأخرى التي أحتاجها، كلها كانت على «دوس». كنت بحاجة إلى «دوس».

ثم خطرت لي فكرة! قلت لنفسي: "إذا كان بإمكان المطوِّرين أن يتعاونوا عبر الإنترنت لإنشاء نظام تشغيل «يونكس» متكامل، حتماً يمكننا التعاون لإنشاء «دوس» متكامل." ففي النهاية، كان «دوس» نظامًا بسيطًا نسبيًا مقارنةً بنظام «يونكس». عَمِل على مهمة واحدة فقط في كل مرة (نظام أحادي المهام)، ونموذج الذاكرة فيه أبسط؛ فلن يكون من الصعب علينا ان ننشِئ نظام «دوس» خاص بنا.

وفي ٢٩ حزيران ١٩٩٤، نَشرْتُ إعلانًا على مجموعة النقاش comp.os.msdos.apps في شبكة رسائل تُعرف باسم «يوزنت»:

إعلان عن مشروع PD-DOS:

قبل بضعة أشهر، نَشرْتُ بعض المقالات حول إنشاء نسخة من نظام «دوس» تكون مشاعًا عامًّا. وقد لاقت هذه الفكرة دعمًا كبيرًا في ذلك الوقت، واتفق الكثيرون مع العبارة: "ابدأوا بالكتابة!" وهذا ما فعلت...

أعلنت عن أول محاولة لإنشاء PD-DOS عبر "بيانٍ" أشرَح فيه أهداف هذا المشروع، إلى جانب مخطط عام للعمل، و"قائمة مهام" توضِّح بالتفصيل ما يجب أن يُكتَب. سأنشر هذه المستندات هنا، وسأترك المجال للنقاش.

*ملاحظة عن الاسم: أردت أن يكون نظام «دوس» الجديد هذا متاحًا للجميع، وكنت أعتقد بسذاجة أن "الملكيّة العامّة" تعني أنه يمكن للجميع أن يستخدموا النظام. وسرعان ما أدركت الفرق، فأعدنا تسمية المشروع من "PD-DOS" إلى «فري-دوس»، ثم حذفنا الشرطة لاحقًا ليصبح اسمه «فري دوس».

تواصل معي عدد من المطوِّرين، وقدموا أدوات أنشأوها لاستبدال سطر أوامر «دوس» أو لتحسينه، على غرار ما دأبت عليه. جمعنا هذه الأدوات معًا، وأنشأنا نظامًا مفيدًا أصدرناه باسم "Alpha 1" في أيلول من عام ١٩٩٤، بعد بضعة أشهر فقط من الإعلان عن المشروع. كان التطوير سريعًا في تلك الأيام، وتبعنا ذلك بإصدار "Alpha 2" في كانون الأول من عام ١٩٩٤، و"Alpha 3" في كانون الثاني ١٩٩٥، و"Alpha 4" في حزيران ١٩٩٥.
 

نسخة حديثة من نظام «دوس»

منذ ذلك الحين، ركزْنا دائمًا على أن نجعل «فري دوس» نسخة "حديثة" من «دوس». وقد تمحور جزء كبير من هذا التحديث حول إنشاء بيئة غنية للعمل على سطر الأوامر. نعم، ينبغي على «دوس». أن يدعم تشغيل التطبيقات، لكننا نؤمن بأن «فري دوس» يجب أن يوفِّر أيضًا بيئة قوية لاستخدام سطر الأوامر. لهذا السبب، يتضمن «فري دوس» العشرات من الأدوات المفيدة، بما في ذلك أوامر للتنقل بين الأدلة (Directories)، وإدارة الملفات، وتشغيل الموسيقى، والاتصال بالشبكات... إلى جانب مجموعة من الأدوات الشبيهة بتلك الموجودة في أنظمة «يونكس» مثل: less, du, head, tail, sed, tr.

ورغم أن وتيرة تطوير «فري دوس» قد تباطأت، إلّا أنها لم تتوقف. لا يزال المطوِّرون يكتبون برمجيّات جديدة لنظام «فري دوس»، ويضيفون ميزات جديدة له. أتطلع بشكل خاص لعدة إضافات رائعة أدرِجَت في إصدارRC4 FreeDOS 1.3.

بعض التحديثات الأخيرة:

أنشأ ماتيوز فيستي قارئ كتب إلكترونية جديد يُدعىAncient Machine Book (AMB)، وقد جعلناه نظام المساعدة الجديد في FreeDOS 1.3 RC4.

يعمَل إنغيمان لامبرستين، وآندرو جينر، وتي كي شيا، وآخرون على تحديث نسخة IA-16 من مجموعة المُصرِّفات GCC، بما في ذلك مكتبة جديدة باسم libi86 توفّر درجة من التوافق مع مكتبة لغة C الخاصة بمفسِّر++Borland Turbo C.

حدَّث جاسون هود بديل موجه لتحميل محرِّك الأقراص المضغوطة (CD-ROM redirector) عوضًا عن MSCDEX من «مايكروسوفت»، الذي يدعم ما يصل إلى ١٠ محركات.

أنشأ «سوبرلو» أداة DojS وهي منصة تطوير بِلغة «جافا سكريبت» تحتوي على محرِّر مدمج، ومخرجات رسومية وصوتية، وتدعم تشغيل الفأرة ولوحة المفاتيح وعصا التحكم.

أنشأ يافث أداة DOS32PAE، وهو امتداد يمكنه أن يستخدم كميات ضخمة من الذاكرة عبر تقنية PAE paging.

ورغم كل هذا التطوير، فإننا ما نزال متمسكين بجذور «دوس». ومع مواصلتنا العمل نحو إصدار «فري دوس» 1.3 "النهائي"، نحمل معنا عدة افتراضات أساسية، منها:

التوافق هو الأساس — لا يُعَدّ «فري دوس» "نظام «دوس»" حقيقي إن لم يتمكن من تشغيل تطبيقات «دوس» الكلاسيكية. وبينما نوفِّر العديد من الأدوات والتطبيقات والألعاب مفتوحة المصدر، لا يزال بإمكانك تشغيل تطبيقات «دوس» القديمة أيضًا.

الاستمرار في دعم الحواسيب القديمة (XT، 286، 386، إلخ) — سيظلّ «فري دوس» 1.3 مبنيًا على هندسة 16-بت لمعالجات Intel، مع دعم موسَّع للأجهزة الجديدة أينما اتفق. ولهذا السبب، ما زلنا نركز على بيئة المستخدم الفردي عبر سطر الأوامر.

«فري دوس» برنامج مفتوح المصدر — لطالما قلت أن «فري دوس» لا يُعدّ "«دوس» مجانيًا" ما لم يكن بإمكان الناس الوصول إلى الكود المصدري، ودراسته، وتعديله. سيشمل إصدار «فري دوس» 1.3 برامج تستخدم تراخيص مفتوحة المصدر معترف بها قدر الإمكان. لكن بما أن «دوس» سبق صدور ترخيص GNU GPL عام ١٩٨٩، وتعريف "المصدر المفتوح" عام ١٩٩٨، فقد تستخدِم بعض برمجيّات «دوس» تراخيص خاصة بها تُصنَّف على أنها "مجانية مع الكود المصدري" لكنها ليست تراخيص "مفتوحة المصدر" بالشكل الرسمي. وعند النظر في إدراج أي حزمة ضمن «فري دوس»، نقيِّم التراخيص دومًا لنتأكَّد من أنها "مفتوحة المصدر بما فيه الكفاية"، حتى وإنْ لم يكن معتَرفًا بها رسميًا.

ندعوكم للمساهمة في «فري دوس» كي نجعله نظامًا رائعًا! يرجى الانضمام إلى قائمتنا البريدية — نرحِّب بكل المساهمين الجدد. نتواصل دائمًا عبر القائمة البريدية، وهي منخفضة النشاط نسبيًا، لذا من غير المحتمل أن تُغرِق بريدك الوارد.
 



تمت إعادة نشر هذا المقال وفقاً لرخصة المشاع الإبداعي - Creative Commons، للإطلاع على المقال الأصلي