بالرغم من الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم، انتخب الأردنيون مجلس النواب التاسع عشر بنجاح. ومن الواضح بعد صدور النتائج —أو حتى قبل صدورها— أن هذا المجلس يفتقر لوجود حقيقي لكتل نيابية متجانسة يجمعها أيديولوجية أو فكر أو برنامج أو حتى هدف مشترك. ولهذا مصيره المحتوم هو العجز عن تغيير الكثير، كغيره من مجالس النواب المقسمة والمكونة من الأفراد. وللأسف، إن هذا الواقع المثير للاستياء يؤكد لنا أننا لا نسير بالاتجاه الصحيح بموضوع التحول الديمقراطي في الأردن، ونبعد سنة بعد سنة على الأقل عن خارطة الطريق المرسومة في الاوراق الملكية النقاشية.

بلا شك، يساهم قانون الانتخاب من خلال كوتاته المناطقية —أو ما يسمى بالدوائر الانتخابية— بتعزيز العمل الفردي والمناطقي والجهوي، ويمنع أي عمل منظم من أن يكون له تمثيل وازن في مجلس النواب. ولعل نظام تمويل الأحزاب يشوه الساحة الانتخابية بشكل كبير أيضاً، إذ أن كثيرًا من الأحزاب باتت ترشح منتسبيها بهدف الحصول على التمويل دون نية حقيقية للوصول إلى المجلس. ولكن سوء الوضع اليوم لا يمكن أن يعزى للتشريعات الانتخابية والحزبية وحدها، ولا بد من الاعتراف بعدم نضوج العمل السياسي في الأردن؛ فلا وجود لأحزاب فاعلة تمثل قواعد شعبية أو لها برامج واضحة. بل علينا الإقرار أيضاً أن العمل الحزبي في بلدنا مبني على الفردية والجهوية ذاتها التي نستنكرها في الانتخابات النيابية. وما يجعل الصورة أكثر مقتاً شبه انعدام وجود نقاش عام على مستوى عالٍ في القضايا الوطنية وحلولها، على شاكلة ما يحدث في فرنسا أو ايطاليا مثلاً، مما ينزع منا الأمل لغدٍ أفضل.

ربما يكون مفتاح الحل في ما يسمى بالمشاركة الالكترونية، وهي ممارسة تنطوي على إطلاع المؤسسات والأفراد على العمل الحكومي وتفاصيله قدر الإمكان، ومن ثم إشراكهم الكترونياً في اتخاذ القرارات وتطوير التشريعات والسياسات حيث أمكن. ولا تزال معظم الجهات الحكومية بعيدةً عن هذه الممارسة، بالرغم من دورها الكبير في تحسين نوعية القرارات الحكومية. ولكن بعض الجهات الحكومية بدأت في السنوات الأخيرة بتفعيل المشاركة الالكترونية، فتقوم وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة مثلاً بإشراك أصحاب المصلحة في قراراتها عن طريق عرض مسودات للتشريعات والسياسات وغيرها للاستشارة العامة واستقبال الردود من كل من له رأي في المسألة، وأخذ ما تراه مناسباً منها. وهذا الباب هو من أهم الأبواب التي تستعملها مؤسسات عدة كالجَمعية الأردنية للمصدر المفتوح للتأثير على سياسات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بما يتماشى مع أهدافها وقيمها.

من القواعد الأساسية التي تعتمد عليها المشاركة الإلكترونية هي شفافية العمل الحكومي، فلا بد لأصحاب المصلحة والرأي من النفاذ للمعلومات الممكنة لفهم الواقع بشكل دقيق كشرط أساسي للمشاركة الفعالة. فلا يمكن لمركز دراسات أو مجمع تفكير أو حزب سياسي أو منظمة مجتمع مدني أن يُبدوا رأيهم في سياسة القبول الجامعي مثلاً دون وجود بيانات حكومية مفتوحة أو شفافية في أطر العمل والتشريع. وبامكاننا أن نتخيل مدى الفائدة لو شارك أصحاب الرأي والخبرة في الأردن في صياغة سياسة القبول الجامعي، بدل أن تُنزل هذه السياسة من مجموعة صغيرة من الأفراد وترسم مستقبل الأردن دون أي نقاشٍ عام.

يمكن للحكومة الشفّافة والمشاركة الإلكترونية أن تشكّلا بوابةً لمُشاركة الأحزاب والمجتمع المدني والشركات والأفراد في صناعة القرار. وذلك سيثري التشريعات والسياسات والقرارات الحكومية من جهة، ويصقل مهارات المشاركين إلكترونياً في التحليل والنقد من جهة أخرى. وإلى حين انتاج مجلس نواب ممثلٍ وفاعل، تشكل ممارسة المشاركة الإلكترونية خطوةً أولى في تصحيح مسار التحول الديمقراطي. وبالتالي نتمنى أن تتوجه جميع الجهات الحكومية نحو الالتزام بتنفيذ الممارسات الفضلى للمشاركة الإلكترونية.